خضير جعفر

307

الشيخ الطوسي مفسرا

القرآنيّة لا تنسخ إلّا بآية قرآنيّة أخرى ، وفق ما تقتضيه المصلحة ومشيئة اللّه تعالى . 19 . ساهم الشيخ الطوسي مساهمة جادّة في عمليّة تطوير المنهج التفسيري واستطاع أن ينقل التفسير نقلة كبيرة بعد تأليفه التبيان ، حيث يقول في معرض حديثه عن الدوافع التي حملته على المشروع في كتابة تفسيره : « إنّي لم أجد أحدا من أصحابنا من عمل كتابا يحتوي على تفسير جميع القرآن ، ويشتمل على فنون معانيه » وبذلك يعتبر التبيان أوّل محاولة تفسيريّة وافية في تاريخ الإماميّة . 20 . مال الشيخ الطوسي إلى الإيجاز غير المخلّ في تفسيره ، لذلك نجده يتخفّف كثيرا عمّا لا طائل تحته ، بينما يشبع الآيات الكريمة شرحا ليوفيها حقّها من البحث والتفسير متحاشيا الخوض في شروح هامشيّة وتفصيلات جانبيّة لا علاقة لها بالتفسير ، ولا تخدم في استيضاح المعنى المراد من النصّ القرآني . 21 . احتوى التبيان على بعض الإشارات العلميّة التي تنمّ عن سعة أفق لتفكير الطوسي وانفتاحه على الآيات الكونيّة بروح علميّة ورؤية ناضجة ، حيث كان لا يستبعد أن تكون الأرض كرويّة الشكل ، مخالفا بذلك جمعا من المفسّرين وأصحاب الرأي ، كما كان يؤكّد حركة الأفلاك ونشوء السحاب من بخار الأرض ، ومثل هذه التطوّرات السليمة تعني سبقا علميّا رائدا ، إذا ما علمنا أنّ ألف عام تفصل بيننا وبين عصر الطوسي حيث القرن الخامس الهجري . 22 . وختاما يبقى اسم الشيخ الطوسي مقترنا باسم الحوزة العلميّة التي أرسى قواعدها في النجف الأشرف ، يوم هاجر إليها ؛ ليفتتح أوّل مدرسة من نوعها هناك ، صارت فيما بعد من أكبر الجامعات الإسلاميّة والمعاهد العلميّة التي تخرّج منها ما يعدّ بالآلاف من أساطين وأعاظم الفقهاء وكبار الفلاسفة ونوابغ المتكلّمين وأفاضل المفسّرين وأجلّاء اللغويين والأدباء وغيرهم ممّن خبر العلوم الإسلامية بأنواعها ، وبرع فيها أيّما براعة .